محمد عبد الله دراز

259

دستور الأخلاق في القرآن

يبالي بمثل هذا إذا كان ملتزما بأوامر الضّمير ؟ . . ولكنه الوهم الكاذب الّذي زينه لعينيه ذلك النّاصح المنافق . وعلى الرّغم من أنّه كان منذ البداية محصنا ضد المكائد المحتملة من عدوه ، فقد نسي « 1 » الإنسان الأوّل ، وجاءت اللحظة الّتي لم يجد لنفسه فيها إرادة صامدة : وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً « 2 » . ومع ذلك فهذا النّسيان لا يعتبر بالنسبة إليه عذرا مقبولا ، كما أنّ النّيّة الطّيبة لا تشفع له كذلك ، لأنّ النّسيان لم يكن للأمر في ذاته ، بل للهدف منه . وأيا ما كانت الدّوافع النّبيلة وراء المخالفة ، فإنّها لا يمكن أن تعرينا من التزام مطلق واضح المعالم ، والحدود . وفي هذا النّوع من الأمر الحتمي تظهر بوضوح متانة الصّرامة « الكانتية » ، الّتي لا تسمح بأي استثناء يرد على القاعدة الأخلاقية . فخطيئة آدم كانت إذن أثرا من آثار ضعف عارض ، وجهد قاصر في مراعاة الواجب . ومن هنا لم تفسد فطرة الإنسان الأوّل ، بحيث تستلزم تدخّل « مخلّص » غيره نفسه ، إذ كان يكفيه أن يعترف بخطيئته ، ويظهر ندمه ، لا ليغسل دنسه ، وتعود إليه سريرته النّقية ، كما كانت فحسب ، ولكن ليربى هذا التّائب الجديد ،

--> ( 1 ) المقصود بالنسيان هنا : التّرك لما أمر به لا سيما بعد أن قاسمهما الشّيطان ؛ لأنّ النّسيان غير مجوز على الأنبياء ، بالإضافة إلى أنّ النّهي الوارد في الآية هو نهي إرشادي ، وليس بتحريمي . ( بتصرف ) انظر ، الكافي : 1 / 416 و : 2 / 8 ، كمال الدّين وتمام النّعمة : 213 ، شرح أصول الكافي : 7 / 63 و : 12 / 57 ، التّبيان للشيخ الطّوسي : 7 / 213 ، تفسير مجمع البيان : 7 / 60 ، التّفسير الصّافي : 3 / 324 ، تفسير الميزان : 14 / 219 . ( 2 ) طه : 115 .